أهم أسباب انعدام الثقة بالبنوك اليمنية وانتعاش شركات الصرافة (تقرير خاص)

[ أسباب عديدة أدت إلى فقدان الثقة في البنوك، طوال فترة الحرب، وتحول العملاء إلى شركات الصرافة التي أنتعشت بشكل كبير ]


توطئة

قبل سيطرة جماعة أنصار الله (الحوثيون) على السلطة في سبتمبر 2014، كان الاستثمار في محال، أو شركات الصرافة، غير مجدي، وآخر ما يفكر به المستثمر هو فتح محل أو انشاء شركة صرافة؛ فقط عمولة حوالات ميتة، وفارق صرف للدولار لا يزيد عن نصف ريال (خمسون فلساً) بين البيع والشراء، وحركة شبه معدومة، مع توافر ضوابط رقابية صارمة، وتفتيش مكتبي وميداني من قبل البنك المركزي في صنعاء على محلات وشركات الصرافة، وتكامل أجهزة الدولة في الرقابة عليها خصوصا جهاز الأمن القومي..
 
 ومع استمرار الحرب الدائرة في البلاد، واستيلاء جماعة الحوثي على موارد الدولة المختلفة، وأموال خصومها السياسيين التي صادرتها (وتقدر بمليارات الدولارات حسب تقارير محلية ودولية)، أصبحت شركات ومحلات الصرافة أهم الملاذات الآمنة لغسل هذه الأموال التي سمح لها بتجاوز القوانين واللوائح المنظمة، وفتحت حسابات، واستقبلت ودائع من عملائها بالمخالفة للقانون.
 
 وفي منتصف العام 2016، انتقلت الكتلة النقدية من البنوك الى الصرافين، بعد أزمة سيولة حادة عصفت بالبنوك اليمنية، يقابلها كتلة نقدية ضخمة مكدسة لدى الصرافين. بعدها اختلق الصرافون فوارق الصرف في العملة المحلية (شيك – ونقد)، وخسر عملاء البنوك نسبة كبيرة من ودائعهم نتيجة فارق الصرف، ولا زالوا يخسرون حتى اليوم..!!
 
 وهكذا؛ أصبح الصرافون هم المتحكمون بالجهاز المصرفي، وفقدت الثقة بالبنوك من قبل عملائها، واستبدلت تعاملاتها مع البنوك بالصرافين، وشُلّت حركة البنوك تماما؛ الى درجة استعانة الجهاز المصرفي بالصرافين لإجراء الحوالات الدولية نتيجة التشديد على البنوك وايقاف البنوك المراسلة تعاملاتها مع البنوك المحلية قبل نقل عمليات البنك المركزي إلى عدن (سبتمبر 2016).
 
وزاد من انتشار محلات الصرافة، مشكلة انعدام الثقة بالجهاز المصرفي، بعد استيلاء جماعة الحوثي على السطلة وبقاء البنك المركزي اليمني تحت سيطرتهم. كما ازدادت ثقة العملاء بالصرافين مع قدرتهم على اجراء الحوالات الدولية إلى أي مكان يطلبونها، بعد عجز البنوك عن أداء هذه الوظيفة.
 


وفيما يلي نستعرض لكم على موقع "يمن شباب نت" أهم الأسباب المتراكمة، منذ بداية الحرب، التي أدت إلى انعدام الثقة بالجهاز المصرفي: -
 

أ‌) أزمة السيولة النقدية في العام 2016
 
تعد أزمة السيولة النقدية، التي عصفت بالقطاع المصرفي في منتصف العام 2016، العامل الأساسي والدور الأبرز لانعدام الثقة بالبنوك والتحول إلى قطاع الصيرفة.
 
وكانت أزمة السيولة (التي تعد أهم مسبب لانعدام الثقة بالبنوك) نتيجة طبيعية لعدة مسببات، نذكر عشرة منها كالتالي:
 
1. نهب الحوثيون متحصلات الموارد السيادية؛ من الضرائب والجمارك والرسوم الحكومية، وعدم توريدها إلى البنك المركزي اليمني، في أكبر عمليات نهب وغسل أموال تحدث في تاريخ البلاد، ما أدى إلى تكدس الأموال، الأوراق النقدية، لدى قادة الجماعة في البيوت، وعجز لدى البنك...
 
2. تخوف عملاء البنوك، بعد استيلاء الانقلابيين على السطلة وبقاء البنك المركزي اليمني تحت سيطرتهم. ونتج عن ذلك سحب العملاء أرصدتهم تدريجيا من البنوك، وتوجه السيولة النقدية بالريال وتكدسها لدى الصرافين (أغلبهم غير مرخصين) وانخفاضها لدى الجهاز المصرفي، ونشوء سوق سوداء للمضاربة بالعملة، خصوصاً بعد إعلان البنك المركزي في الأشهر الأولى من العام 2016 عن عدم قدرته على تغطية احتياجات موردي المواد الأساسية والمشتقات النفطية، وتوجه القطاع التجاري الى الصرافين لتلبية احتياجاتهم من العملة الصعبة.
 
3. احتفاظ التجار بالنقدية بالريال اليمني وعدم توريدها إلى البنوك، لمواجهة مشترياتهم من العملة الصعبة من السوق السوداء، وبسعر صرف أقل من سعر الصرف (شيك) في الحساب، وبالخصوص تجار المشتقات النفطية بعد قرار تعويمها من قبل الانقلابيين في أغسطس 2015.
 
4. القيود التي وضعتها البنوك؛ كتخفيض سقف السحوبات عن طريق الصرافات الآلية، والحد من المبالغ التي يتم سحبها من الودائع الجارية بالريال؛ ما أدى إلى تسوية التعاملات التجارية وغير التجارية خارج الجهاز المصرفي.
 
5. قرار الانقلابيين تحويل إجازة القطاعات العامة، في المناطق الواقعة تحت سيطرتها، من يوم السبت إلى يوم الخميس، مع بقاء إجازة البنك المركزي يوم الخميس كما هي عليه؛ ما أدى إلى اختلاف إجازة الجهاز المصرفي عن هذه القطاعات، وتسرب جزء كبير من النقود خارج الجهاز المصرفي لسد الاحتياجات النقدية خلال الفترة التي يكون فيها القطاع المصرفي في إجازة.
 
6. قلة وسائل الدفع الالكتروني، وانخفاض عدد المنشآت التجارية والصناعية التي تتعامل مع المصارف بعد توجهها إلى الصرافين، وتعطل الصرافات الآلية بسبب انقطاعات الكهرباء؛ ما أدى إلى زيادة الحاجة إلى السيولة النقدية.
 
7. تعرض بعض المصارف وشبكات البريد للسطو، وتوقف بعض المصارف عن العمل نتيجة للحرب.
 
8. عدم قدرة القطاع المصرفي على استيعاب الودائع الاستثمارية، وإعادة توظيفها، نظراً لارتفاع درجة المخاطر الائتمانية والاستثمارية، وتوقف الاستثمار داخل البلاد بسبب ظروف الحرب.
 
9. دفع فوائد ودائع العملاء نقداً، عوضاً عن قيدها أو ربطها بالودائع الأساسية؛ الأمر الذي أدى إلى توجه هذه الفوائد إلى سوق الصرافة وتحويلها إلى عملة صعبة.
 
10. وبحلول الربع الأخير من العام 2016، تفاقمت أزمة السيولة بحدة، وتوقف صرف الرواتب. ومع عجز البنوك عن الوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء، فُقدت الثقة لدى التجار والمواطنين بالجهاز المصرفي، وبالتالي قاموا بسحب أموالهم بالريال من البنوك بطرق مختلفة، وتحويلها إلى عملات أجنبية في البيوت، أو خزائن خاصة في محلاتهم ومؤسساتهم، أو لدى الصرافين.
 



ب‌) تجميد أرصدة البنوك المحلية
 
إن مشكلة أرصدة البنوك المحلية في البنك المركزي فرع (صنعاء) بالريال اليمني والدولار، المجمدة منذ العام 2016، وعدم مقدرة البنوك التصرف بها، خصوصاً عدم قدرتها على تحويل أرصدتها من العملات الأجنبية للخارج لتغطية التزامات عملائها؛ أدت إلى تحجيم دور البنوك المحلية للقيام بواجباتها في توفير العملات الأجنبية، وتعزيز أرصدتها الخارجية متى ما أرادت ذلك. كما أدى ذلك إلى توقف السحب النقدي، أو التحويل الخارجي للشيكات المقاصة / دولار بين البنوك، كون مصدرها مقاصة من بنك محلي آخر، ما أثر على عرض الدولار في السوق وانعكس سلباً على سعر صرف الريال اليمني.
 
إن عدم وضع الحلول المناسبة لأرصدة البنوك السابقة لدى البنك المركزي، تعتبر أم المشاكل الاقتصادية التي واجهت ولازالت تواجه الجهاز المصرفي. فمنذ سبتمبر/ أيلول 2016 (أي بعد قرار نقل البنك المركزي إلى عدن) أصبحت أرصدة البنوك النقدية مقسمة بين صنعاء وعدن، ويسمح البنك المركزي بعدن للبنوك، فقط؛ بالسحب النقدي على الرصيد الصافي للودائع النقدية المودعة منذ سبتمبر/ أيلول 2016. وبالنسبة للأرصدة ما قبل هذا التاريخ، لا يسمح باستخدامها إلا لتسوية المدفوعات المرتبطة بحسابات ممسوكة في البنك المركزي والنظام المصرفي، لكن ليس لأي غرض آخر؛ مثل مواجهة المسحوبات النقدية للعملاء. كما أدى فصل المعاملات النقدية عن المعاملات غير النقدية إلى تقويض استخدام أدوات الدفع غير النقدية مثل الشيكات.
 

جـ) تأسيس فوراق سعر الصرف
 
أفرزت أزمة السيولة، وتجميد الأرصدة القديمة، مشكلة اقتصادية أخرى؛ حيث تم التأسيس لفوارق سعر الصرف بين سعر الصرف نقداً، وسعر الصرف شيك في الحساب (لا يسحب نقداً) بنسبة زيادة (30%) حتى العام 2018، ووصلت مؤخرا في صنعاء إلى 300%..!! وبسبب رغبة العملاء بتسييل أرصدتهم القديمة زاد الطلب على الدولار مقابل ريال في الحساب؛ مما أدى إلى ارتفاع سعر الصرف- وصل سعر الدولار مقابل ريال في الحساب إلى (1,080) ريالاً/ دولار، في نهاية شهر سبتمبر 2018. وهذا دليل على أن هناك طلباً كبيراً على الدولار مقابل ريال في الحساب.
 
إن التفريق بين أرصدة البنوك القديمة (ما قبل نقل عمليات البنك المركزي إلى عدن)، والبنوك الحديثة لدى البنك المركزي، وتجميد مليارات الريالات والدولارات- سواء لأرصدة الحسابات الجارية السابقة أم أرصدة الدين العام السابق- وعدم قدرة البنوك على تسييلها منذ العام 2016؛ نتجت عنه العديد من المشاكل والصعوبات الاقتصادية، أهمها: عجز البنوك عن الوفاء بالتزاماتها تجاه عملائها، وانعدام ثقة العملاء ببنوكها، وانعدام الثقة بالبنك المركزي، وحرف مسار الدورة النقدية، وعجز السيولة لدى البنوك، وخلل في تركيبة العرض النقدي، وتأسيس فوارق في أسعار صرف العملات (بين النقدي وشيك) في الحساب (لا يسحب نقداً)، وتعطيل وسائل الدفع غير النقدية...، وغيرها من المعضلات الاقتصادية..
 
وهو سعر صرف استحدث مؤخرا في السوق الموازي بسبب أزمة السيولة، وتجميد أرصدة البنوك السابقة لدى البنك المركزي اليمني، والتمييز بين الأرصدة السابقة والأرصدة الحديثة سواء لدى البنوك أم لدى البنك المركزي اليمني.
 
ويعتبر بروز ظاهرة سعر الصرف الموازي في الحساب، والفوارق بينه وبين سعر الصرف الموازي نقداً، أحد أهم المشاكل الاقتصادية، وأحد أهم العوامل التي أثرت على ثقة العملاء بالبنك المركزي والبنوك المحلية. فأغلب التجار أرصدتهم مجمدة بملايين الريالات، ما أجبرهم على التعامل مع هذه الأرصدة وتحريكها دفترياً مع تحملهم خسائر كبيرة.
 
إن التفريق في سعر الصرف نقداُ، عن سعر الصرف في الحساب (لا يسحب نقداً)، ينعكس تأثيره على أسعار السلع والخدمات في البلاد؛ مما يؤدي إلى زيادة التضخم، وزيادة الأمر تعقيدا أمام البنك المركزي اليمني، خصوصاً وأن لهذا السعر سوق تتعامل معه البنوك والصرافين وشريحة كبيرة من التجار والمواطنين، وبشكل رسمي ودون أي ضوابط.
 


 
د) تجميد الحسابات المراسلة

 
توقفت البنوك المحلية عن فتح الاعتمادات المستندية لعدم قدرتها على التحويل الخارجي، نتيجة إيقاف البنوك الخارجية تعاملاتها معها بسبب الحرب والاضطرابات السياسية ومخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب؛ ما اضطر التجار إلى التحول إلى الصرافين كبديل لتحويل أموالهم لأي دولة لغرض الاستيراد. هذا الأمر أدى إلى انعدام الثقة لدى البنوك، وتحول العملاء نحو الصرافين بدلاً منها، كما سيأتي ذكره لاحقا.
 

هـ) صعوبة ترحيل العملات الأجنبية
 
عانى القطاع المصرفي، خلال السنوات الأولى من الحرب، من مشكلة عدم قدرة البنوك على ترحيل عملات أجنبية لتعزيز أرصدتها لدى البنوك المراسلة في الخارج؛ ما أضعف كثيرا من قدرتها على أداء وظائفها، وأثر تأثيرا كبيراً على ثقة العملاء بالقطاع المصرفي وانتقالهم إلى الصرافين لتنفيذ الحوالات المالية الدولية.
 

الصرافون بديلاً عن البنوك
 
نتيجة لانعدام ثقة العملاء بالقطاع المصرفي، للأسباب التي أوردناها سابقا، لاسيما أزمة السيولة النقدية وتجميد الحسابات القديمة، إضافة إلى عجز البنوك عن الوفاء بالتزاماتها تجاه عملائها؛ سنحت الفرصة للصرافين للقيام بدور البنوك، وتحويل مسار المعروض النقدي من السيولة لدى البنوك إليهم؛ الأمر الذي أدى إلى تكدس كتلة نقدية ضخمة لدى الصرافين وعدم انتظام الدورة النقدية وعودتها مرة أخرى للبنك المركزي اليمني، وأصبح الصرافون متحكمين بالسوق، بما لديهم من سيولة نقدية يتم توفيرها للعملاء، وبالشروط التي يطلبونها.
 
 كما ساهم الصرافون، بشكل أساسي، في تأسيس فوارق سعر الصرف بين الدولار مقابل ريال نقداً، والدولار مقابل ريال شيك في الحساب (لا يسحب نقداً)، نظراً لقدرة الصرافين على توفير قيمة هذه الشيكات نقداً. كما ازدادت ثقة العملاء بالصرافين مع قدرتهم على اجراء الحوالات الدولية إلى أي مكان يطلبونها، بعد عجز البنوك عن أداء هذه الوظيفة.
 



انقسام السلطة النقدية
 
أدى انقسام السلطة، بين صنعاء وعدن، إلى تعطل أدوات السياسة النقدية والمالية، وتعارض سياسات "اقتصاد واحد، وعملة واحدة"، ووجود سياستين ماليتين واقتصاديتين ونقديتين وإشرافيتين؛ سياسة في صنعاء وسياسة في العاصمة المؤقتة عدن.
 
 والأهم من ذلك أن كل سياسة من هذه السياسات، مطبقة أو تكاد تكون أقوى في صنعاء، لعدة عوامل، أهمها: البناء المؤسسي للبنك المركزي، والذي يرجح فرع صنعاء على المركز الرئيسي بعدن. وهناك عدة عوامل تجعل من سياسة مركزي صنعاء تطغى على سياسة مركزي عدن- أو بالأصح تعيق البنك المركزي في العاصمة المؤقتة عدن عن إدارة السياسة النقدية- منها: أن الادارات العامة لكافة البنوك تتواجد في صنعاء، تحت سطوة سلطة الأمر الواقع في صنعاء (الانقلابيين) التي لا ترحم. إضافة إلى أن صنعاء، والمناطق التي يسيطر عليها الانقلابيون، تعتبر مركز الثقل الاقتصادي، في وقت لم يكتمل فيه البناء المؤسسي للبنك المركزي في عدن مع احتفاظ البنك المركزي في صنعاء على معظم موظفيه وأرشيف معلوماته، بالإضافة إلى نفوذه الواسع لدى كبرى المؤسسات المالية في البلاد، والتي تقع مقراتها في صنعاء غالبًا.
 


إن انقسام السلطة النقدية، وتعنت الانقلابيين، ومضيهم بعكس سياسة البنك المركزي اليمني بعدن، وتهديدهم- أو ضغطهم على- البنوك بتنفيذ سياسات معاكسة بحكم قربهم من مراكزها الرئيسية؛ خلق تضارب في السياسات النقدية في البلاد، وعقد من مهمة البنك المركزي اليمني المركز الرئيسي/ عدن في إدارة ورسم وتنفيذ السياسة النقدية..
 
كما أن تدخلات جماعة الحوثي بالقطاع المصرفي، وتجميد الحسابات ومصادرتها- خصوصا حسابات الخصوم السياسيين- أثرت على ثقة العملاء باستمرارية عمل البنوك في ظل التهديدات الحوثية المتكررة، ما يعرضها للإفلاس في أي لحظة، لذلك تتجه تعاملاتهم ناحية الصرافين كبديل آمن بالنسبة لهم، رغم المخاطر التي تكتنف التعامل مع شركات ومحال الصرافة.


* خبير أقتصادي يمني
 

 حقوق النشر محفوظة "يمن شباب نت"  ©2022
 

  

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

اعلان جانبي

فيديو


اختيار المحرر